عبد الملك الجويني

9

نهاية المطلب في دراية المذهب

وهذا مما يجب الاعتناء فيه بتقريب مأخذ يخرجه عن عماية الإجمال ؛ فإن القول في مثله ينتشر . ولا ضبطَ في قول القائل : إن كان بحيث يشق النقل لم يصح السلم ، وإن كان بحيث لا يشق النقل يصح . وقد يقرب في هذا أن يقول : إن جرت العادة بنقل ذلك الجنس إلى ذلك البلد ، يجوز ( 1 ) ؛ فالمسلم فيه مقدور على تسليمه . وإن كان ذلك لا يعتاد ، فهو ملتحق بما لا يقدر عليه . ولا اعتبار بما ينقله آحاد الناس للتحف . وإنما الاعتبار بما ينقل لأغراض المعاملة . وهذا لا بأس به ، وإن ( 2 ) قيل : المتبع هو الذي يلقى متحمِّلُ النقل مشقةً ظاهرة خارجة عن اعتياد النقل . وقد أجرى الشافعي في هذا لفظاً ، فليتأمله الناظر ، فقال : " هو كما لو أسلم في رطب البصرة ، وبلد المسلم من بلاد خُراسان " . وهذا سرف في تصوير التعذّر ، وهو يحصل بدون هذا . وبالجملة السلم عقد إرفاق من الجانبين ، والمحكَّم فيما ينتشر من أحكامِ المعاملة العرفُ ، فكل مشقة لا يبعد في غرض المعاملة أن تحتمل لاستعمال رأس المال ، فتلك المشقة لا تقدح في صحة السَّلم ، وكل مشقة لا تحتمل في أغراض التعامل ، فلا يبتنى جواز العقد عليها . وليس للفقيه أن يصور غرضنا وراء المعاملة ، مثل أن يتفق تضييق وإرهاق في مصادرة وحاجةٍ حاقة في الرضا بمقاساة الكُلف للتجارة من الضرورة الناجزة . فلا اعتبار بأمثال هذه الأحوال . ويمكن أن يقال : سبيل الضبط أو القرب منه أنّ النقل إذا كان يُلحق المنقولَ بما لا يعم إمكان الوصول إليه ، فهو من المتعذر الذي لا يجوز السلم فيه . وهذه العبارات تُشير إلى تقريب واحد .

--> ( 1 ) عبارة ( ص ) : بنقل ذلك الجنس في السلم يجوز ، والمسلم فيه مقدور على تسليمه . وعبارة ( ت 2 ) : ينقل ذلك الجنس إلى ذلك البلد ، فالمسلم فيه مقدور على تسليمه . ( 2 ) جواب الشرط مفهوم من الكلام قبله .